مجموعة مؤلفين
336
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
لكل ما يوحى إليه به شيخه من مذاهب التصوف وآرائه . واعتزال المريد في الخلوة على النحو الذي حبذه ابن عربى له ، من شأنه أن يفضى به إلى قطع صلته بالعالم الخارجي ليعيش في عالم محدود من خلقه الخاص ينطوى فيه على نفسه ، ولعل هذا هو السبب في أن بعض علماء النفس المحدثين ، الذين درسوا ظاهرة التصوف ، يقررون أن شخصية الصوفي شخصية انطوائية ( Introvert ) « 1 » . والمتأمل أيضا فيما يذكره ابن عربى عن قواعد الخلوة ، يرى أن من أهمها أن لا تتعلق همة المختلى بشئ غير اللّه ، فإن الخلوة غايتها عنده التفرغ عن الأكوان تماما ، وهذا يعنى بعبارات أخرى أن يكف المريد في خلوته عن جميع الأفكار المتعلقة بالعالم الخارجي ، أيا كان نوعها ، ليستبقى فكرة واحدة هي مشاهدة اللّه ، ولهذا يستخدم الأذكار على اختلاف أنواعها ليعينه هذا على عدم تجاوز فكرته . وخضوع السالك للطريق الصوفي لفكرة واحدة بعينها تسيطر على شعوره تماما ، يشبه الحالة التي يسميها بعض علماء النفس المحدثين بوحودة الفكرة ( Monoi ? de ? isme ) ، وهي حالة يضيق فيها مجال الشعور جدا بحيث لا يبقى فيه إلا فكرة واحدة ذات مضمون بسيط ، وتشغل النفس بحيث تحول دون ظهور غيرها فيها بشكل مستمر « 2 » . ولا يخفى بعد ذلك أن لما يعانيه المريد السالك من الجوع والسهر والصمت أثرا كبيرا على قواه النفسية ، فتعتريه أحيانا حالة هي أشبه بالغيبوبة ، ولكنها في الوقت نفسه مصحوبة بلذة روحية لا يدركها إلا هو وحده .
--> ( 1 ) Thonless ( R ) : An introduction to the psychology of religion , Cambridge 1928 , pp . 236 - 237 . ( 2 ) Lalande ( A . ) : Vocabulaire technique et critique de la phi - losophie , Art . « monoi ? de ? isme » .